محاضرات

الإمام الحسين(ع) في عهد يزيد

 

الإمام الحسين(ع) في عهد يزيد

 

الشيخ علي فقيه

 

بعد استشهاد الإمام الحسن(ع) بسم معاوية تمادى الأخير في ظلمه للأمة وخصوصاً للهاشميين وفي مقدمتهم الحسين بن علي(ع) الذي صبر على جور معاوية مدة طويلة من الزمن دون أن يحرك ساكناً كيلا ينقض الميثاق المضروب بينهما، بقي الأمر على تلك الحال إلى أن هلك معاوية وجاء بعده ولده يزيد الذي ابتلى الله به الأمة.

لقد كان عهد يزيد عهداً صعباً ليس على الهاشميين فقط بل على جميع معارضيه حيث تخطى كل الخطوط الحمر ولم يراع حرمة شيء على الإطلاق.

لقد تسلم زمام الأمور أربع سنوات بعد موت أبيه وملأ الأرض فساداً وجوراً حيث انتهك الحرمات وظلم العباد وعبث بأحكام الدين واستهزأ بالصلاة وتجرأ على الكعبة وأباح نساء المدينة المنورة لرجاله، نعم هذه عناوين الجرائم التي ارتكبها يزيد في مدة اغتصابه للخلافة، ولا بد لنا هنا من الوقوف على بعض التفاصيل حتى تنكشف لنا هوية هذا الجائر الذي ارتكب أبشع مجزرة في تاريخ الإنسانية.

إن أول عمل قام به يزيد بعد استلامه الحكم هو التضييق على الإمام الحسين وأنصاره من بني هاشم وغيرهم حيث شدد عليهم الرقابة وفرض عليهم أهواءه فهدد بعضهم وسجن بعضهم وربما قتل بعضهم ونفى آخرين.

ولعل الإمام الحسين(ع) لم يستقر في المدينة طويلاً في عهد يزيد الذي راح يفرض آراءه الشاذة على الأمة وعلى الخليفة الشرعي الذي خُيّر بين البيعة ليزيد أو الموت فاستحب الموت على مبايعة يزيد لأن مبايعته تعني إعطاء الشرعية له، ويستحيل على المعصوم أن يُقدم على مثل هذا الأمر مهما كانت كلفته كبيرة، لقد كانت كلفة رفض الحسين المبايعة أنه قُتل وأهل بيته وأصحابه في كربلاء بأمر مباشر من يزيد بن معاوية الذي لم يتعامل بالسياسة والهدوء مع أحد بل بتلك الحماقة التي عُرف بها.

ففي بداية سنة ستين للهجرة تسلم يزيد زمام الأمور وأدار شؤون البلاد، وفي بداية تلك السنة خرج الإمام الحسين(ع) من المدينة متوجهاً نحو كربلاء، ولا أقول نحو الكوفة لأنه(ع) كان يعلم بأنه لن يصل إلى الكوفة ولكنه أراد أن تجري الأمور بأسبابها الطبيعية.

قد يتوهم البعض بأننا عندما نذكر مساوء يزيد أننا نستبعد أباه معاوية فما قام به يزيد إنما كان بتحريض من معاوية في وصاياه له تلك الوصايا التي عمل الوضاعون على تزويرها فلقد حاول هؤلاء أن يصوروا معاوية على أنه حاكم حليم يرأف بالعباد وأنه يحترم آل الرسول ولكنه هو أول من تجرأ على آل الرسول عندما قتل علياً ثم ولده الحسن(ع) فلقد نقل هؤلاء وصية موضوعة عن معاوية لا محل لها من الصحة فقالوا: قال معاوية في وصيته لولده يزيد: وإنّي لست أخاف عليك أنْ ينازعك في هذا الأمر إلاّ أربعة نفر مِنْ قريش : الحُسين بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزّبير ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ؛ فأمّا ابن عمر فإنّه رجل قد وقذته العبادة ، فإذا لمْ يبقَ أحدٌ غيره بايعك ، وأمّا الحُسين بن علي فهو رجل خفيف ، ولنْ يترك أهل العراق حتّى يخرجوه ، فإنْ خرج وظفرت به فاصفح عنه ؛ فإنّ له رحماً ماسة وحقّاً عظيماً وقرابة مِنْ محمّد ، وأمّا ابن أبي بكر فإنْ رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليس له همّة إلاّ في النساء واللّهو ، وأمّا الذي يجثم لك جثوم الأسد ، ويراوغك مراوغة الثعلب فإنْ أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزّبير ، فإنْ هو فعلها بك فظفرت به فقطّعه إرباً إرباً ، واحقنْ دماء قومك ما استطعت:

هذا ما قاله أحباء معاوية، وعندما نقول أحباء معاوية نقصد بهم أعداء أهل البيت.

إن ما أوصى به معاوية ولده يزيد هو التضييق على الحسين وأخذ البيعة منه بالقوة وإلا فسيكون مصيره القتل، فلقد ذكر المؤرخون أن معاوية قال لولده: إنّ لك مِنْ أهل المدينة يوماً ، فإنْ فعلوها فارمهم بمسلم بن عقبة ، فإنّه رجل قد عرفنا نصيحته، وكان مسلم بن عقبة جزّاراً جلاداً لا يعرف الرحمة والرأفة ، وقد استعمله يزيد بعهد مِنْ أبيه في واقعة الحرّة فاقترف كلّ موبقة:

فاستلم يزيد الحكم فدعاه قومه ليلقي خطاباً يبين فيه خطة حكومته فسار نحو القبة الخضراء واعتلى المنبر فلمّا استوى عليها ارتجّ عليه ولمْ يطق الكلام ، فقام إليه الضحّاك بن قيس فصاح به يزيد ما جاء بك ؟ قال له الضحّاك : كلّم الناس وخذ عليهم ، فأمره بالجلوس، وانبرى خطيباً فقال : الحمد لله الذي ما شاء صنع ومَنْ شاء منع ، ومَنْ شاء خفض ومَنْ شاء رفع ، إنّ أمير المؤمنين ـ يعني معاوية ـ كان حبلاً مِنْ حبال الله مدّه ما شاء أنْ يمدّه ، ثمّ قطعه حين أراد أنْ يقطعه ، وكان دون مَنْ قبله وخيراً ممّا يأتي بعده ، ولا اُزكّيه عند ربّه وقد صار إليه ؛ فإنْ يعفُ عنه فبرحمته ، وإنْ يعاقبه فبذنبه . وقد وُلّيت بعده الأمر ولست اعتذر مِنْ جهل ولا آتي على طلب علم،: إذا كره الله شيئاً غيّره ، وإذا أحبّ شيئاً يسّره:

لقد تمادى يزيد في غيه كثيراً حيث لم يجد من يرده عن غيه ومن يقف في وجهه وقفة رجل شجاع سوى الإمام الحسين(ع) الذي فضح يزيداً وحقره أمام الملأ ووصفه بأنه فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة، فلو كان هناك من يؤيد الإمام من رجال المدينة والعراق لتغيرت الأحوال دون أن يخرج الإمام من المدينة ولكنه(ع) لم يجد فيهم عزماً بل وجد فيهم الخذلان والطمع والخوف من الحاكم.

ويزيد في خطابه الأول لم يصرح بشيء أما خطابه في أهل الشام فلقد أنبأ عن خبثه ولؤمه وإجرامه وكرهه لأهل بيت النبوة، فخطب في أهل الشام خطاباً أعلن فيه عزمه وتصميمه على الخوض في حرب مدمّرة مع أهل العراق ، وهذا نصه : يا أهل الشام ، فإنّ الخير لمْ يزل فيكم وسيكون بيني وبين أهل العراق حرب شديد ، وقد رأيت في منامي كأنّ نهراً يجري بيني وبينهم دماً عبيطاً ، وجعلت أجهد في منامي أنْ أجوز ذلك النهر فلمْ أقدر على ذلك حتى جاءني عبيد الله بن زياد فجازه بين يدي وأنا أنظر إليه .

وانبرى أهل الشام فأعلنوا تأييدهم ودعمهم الكامل له ، قائلين : يا أمير المؤمنين ، امضِ بنا حيث شئت واقدم بنا على مَنْ أحببت ، فنحن بين يديك وسيوفنا تعرفها أهل العراق في يوم صفين: فراح يزيد يشكرهم على ولائهم وإخلاصهم وعندها قرر أن يعلن الحرب على أهل العراق الذين كانوا يراسلون الإمام الحسين ويشحعونه على محاربة يزيد.

أما في المدينة المنورة فلقد خضعت له الرقاب وأعلنوا له الولاء وأعطوه البيعة وعاهدوه على أن يقاتلوا بين يديه، هذا وابن بنت نبيهم فيهم وبينهم.

لقد أحكم يزيد سيطرته على جميع أجهزة الدولة فصار بإمكانه أن يفعل ما يحلو له، وأول ما فكر به هو القضاء على مناوئيه ومعارضيه لتخلو الساحة أمامه هذا بالإضافة إلى أنه كان يتلذذ بسفك الدماء وتعذيب الناس، والذي كان يشغل باله ويعكر عليه صفو التلذذ بالسلطة هو الإمام الحسين(ع) الذي كان يتمتع بنفوذ واسع، وهذا أمر لا يعجب يزيد بن معاوية الذي كان يحب أن يذل الأشراف من بني قومه.

في هذه الأحوال أصدر يزيد أوامره المشددة إلى عامله في يثرب الوليد بن عتبة فأمره أن يرغم المعارضين له على البيعة وخصوصاً الإمام الحسين(ع) فأرسل إليه: أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير أخذاً شديداً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام:

وفي نص آخر للرسالة كما رواها اليعقوبي: إذا أتاك كتابي فأحضر الحسين وعبد الله بن الزبير فخذهما بالبيعة فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليّ برأسيهما وخذ الناس بالبيعة فمن امتنع فانفذ فيه الحكم:

وصل رسول يزيد إلى الوليد بن عتبة وبلّغه أمر يزيد فخاف خوفاً شديداً لأنه كان على يقين من أن أخذ البيعة من هؤلاء أمرٌ صعب لم يستطع معاوية رغم نفوذه من إخضاعهم عليها فقد أوقعه يزيد في حيرة وكأنه يريد الخلاص منه فاستشار مروان وهو من كبار الأمويين فأشار عليه بأن ينفذ أمر يزيد وأن يضرب عنق الحسين دون أن يدعوه إلى البيعة لأن الحسين لا يمكن أن يقبل بهذا الأمر أبداً ولكن الوليد بقي متردداً خائفاً وقد تمنى أنه لم يولد ولم تصله رسالة يزيد.

عندما سمع مروان هذا الكلام من الوليد سخر منه وقال له: لا تجزع مما قلت لك فإن آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر ولم يزالوا، وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان بن عفان ثم ساروا إلى أمير المؤمنين معاوية فحاربوه، فعندها نهره الوليد وقال له: ويحك يا مروان عن كلامك هذا وأحسن القول في ابن فاطمة فإنه بقية النبوة، ثم قرر أن يدعوهم ويعرض عليهم ما طلبه يزيد ليرى رأيهم في ذلك.

ومروان بن الحكم من ألد الأعداء لأهل البيت(ع) فهو الذي منع دفن الإمام الحسن مع جده، وكان يكره أبا هريرة لأنه يروي عن الرسول فضل الحسن والحسين.

أرسل الوليد إلى الإمام الحسين وابن الزبير وطلب منهما أن يأتياه ليلاً لأنه كان يريد أن يعرض عليهما الأمر سراً فوصل رسوله إليهما وكانا يجلسان في مسجد رسول الله(ص) فوافق الإمام الحسين على ذلك وطلب من رسول الوليد أن ينصرف فعندها ذُعر ابن الزبير وقال للإمام الحسين: ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا بالبيعة قبل أن يَفشو بالناس الخبر.

رجع الإمام إلى منزله وأمر أهل بيته بلبس السلاح والخروج معه فأخرجهم وجعلهم على باب دار الوليد وقال لهم: إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوني: فدخل الإمام على الوليد فوجد مروان بن الحكم عنده فدعاهما الوليد إلى التقارب فقال(ع): الصلة خير من القطيعة والصلح خير من الفساد: وعند ذلك أخبر الوليد الإمام الحسين بهلاك معاوية وأطلعه على كتاب يزيد فرفض الإمام البيعة بالسر حيث قال للوليد: إن مثلي لا يبايع سراً: فطلب الإمام من الوليد أن يؤجل الأمر إلى الصباح حتى ينظر في الأمر، لم يرُق الأمر لمروان فحرّض الوليد على أن يأخذ البيعة من الحسين في الحال وإن أبى ضرب عنقه وبهذا تنتهي تلك المشكلة فعندها قال الإمام لمروان: يابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو كذبتَ والله ولؤمت، ثم توجه إلى الوليد بالقول:  أيها الامير إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ومحل الرحمة، بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب خمر قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة:

فلقد رفض الإمام البيعة ليزيد وهو في قصر الحاكم دون خوف ولا جزع ثم أخذ مروان بتحريض الوليد ولكن تحريضه لم يُجدِ نفعاً.

وفي صبيحة تلك الليلة إلتقى الإمام بمروان في الطريق فقال له مروان: إني ناصح لك فأطعني ترشد وتسدد: فقال له(ع): وما ذاك يا مروان؟: قال مروان: إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد فإنه خير لك في دينك ودنياك: فقال(ع): على الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل يزيد أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق؟ لقد قلتَ شططاً من القول، لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص، إليك عني يا عدو الله فإنا أهل بيت رسول الله والحق فينا وبالحق تنطق ألسنتنا وقد سمعت رسول الله يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان وعلى الطلقاء وأبناء الطلقاء، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به.

طبعاً هذا الكلام لم يعجب مروان فأرسل إلى يزيد ما دار بينه وبين الإمام الحسين فاشتد غيظ يزيد وأصدر أوامره المشددة للوليد بن عتبة وأرسل له قائلاً: خذ البيعة على أهل المدينة وابعث إليّ برأس الحسين بن علي، فرفض الوليد أمر يزيد لأنه كان يكره قتل الإمام الحسين، ولكن هذا الكتاب وصل متأخراً حيث غادر الإمام الحسين مدينة جده.

فعندما تأزمت الأمور ووصل الحد بيزيد إلى إصدار أمر بقتل جميع معارضيه لم يعُد للسكوت أي معنى فلا بد من التحرك والمواجهة والدفاع عن دين الله الذي عمل يزيد على محوه من الوجود فقرر الإمام الحسين(ع) أن يترك المدينة ليؤسس لتلك المعركة حيث لم يستطع أن يتحرك في المدينة لكثرة العدو وقلة الناصر، وقد وصلته كتب عديدة من أهل العراق يدعونه إليهم ويتكفلون بحمايته وبالدفاع عن دين جده فذهب إلى قبر النبي(ص) فصلى ركعتين وراح ينظر إلى القبر ويقول: اللهم إن هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت محمد، وقد حضرني من الامر ما قد علمت، اللهم اني أحب المعروف وانكر المنكر، وأنا اسالك يا ذا الجلال والاكرام بحق هذا القبر ومن فيه الا ما اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك رضى: وقبل بزوغ الفجر غلبه النوم فرأى جده(ص) في منامه فقال له: يا بني كأنك عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء بين عصابة من أمتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى وظمآن لا تُروى وهم مع ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة فما لهم عند الله من خلاق، حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قد قدموا عليّ وهم إليك مشتاقون إن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة:

وعندما استيقظ رجع إلى داره وقص رؤياه على أهل بيته فأصابهم غم كبير وحزن وأسى.

وفي الليل ذهب الإمام الحسين إلى قبر أمه سيدة النساء(ع) فراح ينظر إليه ثم ودّع القبر الشريف، وكذا قبر أخيه الحسن الزكي ورجع إلى داره ليجمع الزاد والأهل ويخرج من تلك المدينة التي دنسها يزيد بن معاوية وظلم أهلها وأباح نساءها لرجاله وضرب الكعبة الشريفة بالمنجنيق وقتل من قتل وسجن من سجن وظلم من ظلم حتى لم يعد الأمر يطاق.

أقبل الإمام الحسين إلى الهاشميين والهاشميات فأخبرهم برحيله بعد أن قص عليهم رؤياه فحزن الجميع وأجهشوا بالبكاء فقال لهم الحسين(ع): انشدكن الله أن تبدين هذا الامر معصية لله ولرسوله: فقلن له: لمن نستبقي النياحة والبكاء، فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي وفاطمة والحسن جعلنا الله فداك يا حبيب الابرار.

ثم أقبلت بعض عماته فقالت له وهي تبكي: لقد سمعت هاتفاً يقول: وإن قتيل الطف من آل هاشم أذل رقاباً من قريش فذلت.

أيها الأخوة إن كل هذه الأحداث تنبئ عن كون الإمام(ع) عالماً بمصيره وقد ذهب إلى الشهادة بملئ إرادته وليس كما يدعي البعض بأن معركة كربلاء كانت نتيجة صدفة فليس من الصدفة أن يجتمع ثلاثون ألف مقاتل من مدن عديدة وبلاد كثيرة لقتل الإمام الحسين الذي لم يكن غافلاً عما يدور في الأوساط اليزيدية بل كان يتابع تحركاتهم يوماً بيوم.

ولن أطيل الكلام حول هذه النقطة حيث لنا معها وقفة مطولة إن شاء الله.

لقد عرف محمد بن الحنفية بقرار أخيه الحسين(ع) فأتى إليه والدموع تملأ عينيه وقال له:  يا أخي فدتك نفسي، أنت أحب الناس إلي، وأعزهم علي ، ولست والله أدخر النصيحة لاحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك فانك كنفسي وروحي، وكبير أهل بيتي، ومن عليه اعتمادي، وطاعته في عنقه لان الله تبارك وتعالى قد شرفك وجعلك من سادات أهل الجنة واني اريد أن اشير عليك برايي فاقبله مني:

ثم أشار على الحسين أن يبتعد وأن يبعث رسله إلى الناس فلربما بايعوه ونصروه، فقال له(ع): إلى أين أذهب؟ فقال محمد بن الحنفية: تنزل مكة فإن اطمأنت بك الدار وإلا لحقتَ بالرمال وشعب الجبال وخرجت من بلد إلى آخر حتى ننظر ما يصير إليه أمر الناس.

لقد نبع كلام بن الحنفية من خوفه على أخيه الإمام ولكن الحسين(ع) قال له: يا أخي لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية: ثم شكر أخاه على النصيحة وقال له: جزاك الله خيرا لقد نصحت، وأشرت بالصواب ، وأنا عازم على الخروج الى مكة، وقد تهيات لذلك أنا واخوتي وبنو أخي وشيعتي أمرهم أمري، ورايهم رايي، وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا لا تخف عني شيئا من امورهم:

وقبل المغادرة أوصى الإمام الحسين أخاه ابن الحنفية بتلك الوصايا الخالدة والتي كان منها: هذاا ما أوصى به الحسين بن علي الى أخيه محمد بن الحنفية، ان الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله جاء بالحق من عنده وان الجنة حق، والنار حق، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور واني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا مفسدا، ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي (ص) أريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله اولى بالحق، ومن رد علي اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين

وهذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب:

نعم لقد خرج الإمام الحسين من المدينة وعندما علم أهلها بخروجه بكوا على بن بنت نبيهم ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً تجاه هذا الأمر فانتظروا ليروا كيف ستكون النتيجة.

وفي ختام هذه المحاضرة أود أن أشير إلى نقطة، فلقد قال كثير من الناس بأن الحسين(ع) قد خرج من المدينة خائفاً وهنا لا بد من توضيح سبب هذا الخوف فتارة يخاف الإنسان من شيء وتارة يخاف على شيء فلقد خاف الحسين على دين جده وعلى أمته وإلا لو كان خائفاً من يزيد لبايعه وانتهت المشكلة ولكنه خاف على الإسلام أن يُقتل بقتله وهو في المدينة فخرج ليؤسس الكوادر ويجند الجنود من أجل أن يثور ضد الظالمين وهذا ما حصل بالفعل.

 

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى